ابن كثير
417
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " . تفرد به أحمد . ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به " أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم " أي جزاؤهم على هذه الصفات " مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار " أي من أنواع المشروبات " خالدين فيها " أي ماكثين فيها " ونعم أجر العاملين " يمدح تعالى الجنة . قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( 137 ) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ( 138 ) ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ( 139 ) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ( 140 ) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ( 141 ) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ( 142 ) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ( 143 ) يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين لما أصيبوا يوم أحد وقتل منهم سبعون " قد خلت من قبلكم سنن " أي قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين ولهذا قال تعالى " فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين " ثم قال تعالى " هذا بيان للناس " يعني القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم " وهدى وموعظة " يعني القرآن فيه خبر ما قبلكم وهدى لقلوبكم وموعظة أي زاجر عن المحارم والمآثم . ثم قال تعالى مسليا للمؤمنين " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا بسبب ما جرى " ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " أي إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح " وتلك الأيام نداولها بين الناس " أي نديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة ولهذا قال تعالى " وليعلم الله الذين آمنوا " قال ابن عباس : في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء " ويتخذ منكم شهداء " يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته " والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا " أي يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به . وقوله " ويمحق الكافرين " أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم . ثم قال تعالى " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد . كما قال تعالى في سورة البقرة " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم بالبأساء والضراء وزلزلوا " الآية . وقال تعالى " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " الآية . ولهذا قال ههنا " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء . وقوله " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو وتحترقون عليه وتودون مناجزتهم ومصابرتهم فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه فدونكم فقاتلوا وصابروا . وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " . ولهذا قال تعالى " فقد رأيتموه " يعني الموت شاهدتموه وقت حد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش وعداوة الذئب .